مقالات

اللامذهبية…النار التي أشعلها القرضاوي وجماعته ثم اكتوت الأمة بها

شاهدت مقطعا للشيخ القرضاوي في برنامج أنتج خصيصا للتمجيد في مسيرته وتاريخه وهو يقول ما حاصله:

إنه كان حنفي المذهب ثم رأى ترك التمذهب وعدم الالتزام بمذهب واحد تيسيرا على الناس، وأنه رجع إلى قريته الشافعية فدرس لهم الأحكام الفقهية بلا مذاهب منتقيا لهم من أقوال العلماء ما يراه هو المناسب وذلك لأن مذهب الشافعية –على زعمه– في العبادات مذهب صعب وعسير، ثم يخرج المعلق الصوتي بعد ذلك ويقول إن القرضاوي بذلك تحرر من التعصب!!

وبغض النظر عن تهافت هذا الكلام وهذه الدعوى، وعن خلو هذا الصنيع من الفقه والنظر إلى المآلات التي قد تترتب على هدم العبادات بمفهومها وأحكامها المستقرة الشائعة في قرية شافعية استقر فيها العلم والعمل مئات السنين في الصلاة والزكاة والصوم والحج والطهارة والبيع والميراث وغير ذلك على مذهب إمام قريش محمد بن إدريس الشافعي رضي الله عنه واستبدال المنظومة الشرعية الراسخة المستقرة في القرية بمنظومة مضطربة مشوهة قائمة على التلفيق الفقهي وتتبع الرخص والاضطراب المنهجي بما سينتج عنه حتما النزاع بين أهل القرية في أصغر الأمور الشرعية وصولا إلى أكبرها بعد أن كانت كلمتهم واحدة ومفاهيم الدين بالنسبة لهم واضحة وجلية ومتوارثة ومحفوظة ومتفق عليها بين كل أبناء القرية؛ فلنا أن نتخيل أن هذا الواقع المرير الذي نعيشه الآن وكل هذه الفوضى المعاصرة المستمرة منذ عقود والتي يسميها القرضاوي تيسيرا واجتهادا وتحررا من التعصب بدأت بمثل هذه التصرفات التي خالف فيها القرضاوي وغيره من أبناء جماعة الإخوان شيوخهم وأساتذتهم من أهل السنة والجماعة في الأزهر الشريف.

ونحن كنا دوما نقول إن هذه الفوضى في التعليم الشرعي والإفتاء التي اجتاحت العالم العربي وبعض العالم الإسلامي بسبب شيوع اللا مذهبية كانت جماعة الإخوان هي السبب الأول والأكبر في وقوعها.

وأصل هذه الفكرة نشأت عند جمال الدين الأفغاني ومدرسته ثم لما كان حسن البنا تلميذا للأفاق الكبير رشيد رضا حتى إن رشيد رضا كان معه في تأسيس جماعته فقد تلقف منه هذه الأفكار ثم طبقها عمليا في جماعته ولقنها لأتباعه وصارت كالدستور والسمة المميزة لجماعة الإخوان خاصة في مصر والخليج.

وليس صحيحا أن اللا مذهبية نبتة وهابية كما يظن كثيرون، بل معظم الوهابية في ذلك إنما تلقفوا الفكرة من الإخوان بعد استقرارهم في المملكة العربية السعودية وفتح المجال لهم على مصراعيه في المملكة حتى استولوا على وزارة المعارف السعودية ووضعوا المناهج للشعب!!!

والآن وبعد مرور نحو مائة سنة على هذه الفكرة آن لنا أن نحكم على هذه التجربة ومآلاتها.

ولعل الحكم الأول المشاهد بالحواس لنا جميعا أن هذه التجربة لم تيسر على الناس عباداتهم ولا معاملاتهم كما يتخيل القرضاوي والبنا ورشيد رضا من قبله بل أدت إلى فتح بابين:

الباب الأول: باب التطرف والتشدد باسم حق الاجتهاد والفتوى من جهلة أغرار أغراب على العلوم الشرعية فشددوا على الناس اكثر وحاصروا المجتمع بالفتاوى الأكثر تطرفا وتشددا ابتداء من هيئة الثياب وانتهاء بتكفير المجتمع وتبديعه والحكم عليه بالشرك في الحاكمية أو الربوبية أو الأسماء والصفات.

والباب الثاني: باب التفريط باسم اليسر والسماحة والبعد تماما عن الالتزام بالشريعة بل وتفريغ الدين من تشريعاته من أول أبواب العبادات إلى المواريث فنرى منهم من يدعي ان الميراث ينبغي أن تتغير احكامه مواكبة للعصر وتيسيرا على الشعب!!!!

إن فكرة جماعة الإخوان التي ورثتها الجماعة من رشيد رضا وشيوخه في هدم المذاهب الإسلامية العقدية والفقهية بغاية توحيد المسلمين كانت ولا زالت فكرة ساذجة ولم تثمر إلا الفتن وضعف المجتمع وبدل أن تجمع المسلمين زادتهم تفرقا وتنافرا.

والحاصل أن عموم المسلمين من أهل السنة والجماعة والأمة العربية والمصرية كان لديهم أربع مدارس فقهية جامعة يحترم أتباعها بعضهم بعضا ويمكن لعلمائها الكبار الانتقاء من المذاهب الأربعة للناس بشروط محكمة في الفتوى والقضاء عند النوازل والضرورة وعموم البلوى بما يصلح دين الناس ودنياهم مع الحفاظ على هويتهم وما توارثه الناس في كل بلد وقطر ومدينة وقرية من مذهب سائد فيها دفعا للفوضى والتنازع.

ثم مرت جماعة الإخوان من هنا محملة بفكر رشيد رضا وحسن البنا فهدموا هذا الصرح الشامخ الذي بني في أربعة عشر قرنا واستبدلوه بفقه السنة والفقه الميسر لجماعة الإخوان وبعد أن كانت المذاهب أربعة أصبحت أربعة آلاف، ونرى الآن كل صبي تيك توك وفيسبوك له مذهب مستقل ويرى نفسها مجتهدا مطلقا لأن له لحية او لأنه عضو في جماعة أو لأنه آمن بابن عبد الوهاب مخلصا أو بسيد قطب محررا من الجاهلية إلى الإسلام!!!

وبعد أن كنا نتبع أئمة السلف أبا حنيفة ومالك والشافعي وأحمد أصبح لزاما علينا أن نتبع شذاذ الخلف كابن باز وابن عثيمين والألباني والقرضاوي والترابي والحويني والعدوي وفركوس وعرعور ورسلان وفوزي ومحم حسان ومحمد حسين يعقوب وقايمة طويلة من أشباه العلماء أو أنصاف العلماء أو العلماء الحزبيين الذين يطوعون الفتوى لمصالح الحزب والجماعة!!!

فالحقيقة هذا البرنامج الذي صنع لتمجيد القرضاوي يكشف ويفضح كثيرا من الأفكار التي كان يحملها هذا الرجل والتي كانت سببا لما نحن فيه الآن من واقع أليم، ولو كنت مكان أسرته وأحبته لطالبت بإيقاف عرض هذا البرنامج.

والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

أحمد الشريف.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى